جريدة العالم اليوم – 14 إبريل 2008
إذا كانت أغلبية الصحفيين مع التمييز الدينىلا أريد عضوية هذه النقابة
بقلـم : سـعد هجـرس
hagrassaad@hotmail.
أن الحكومة هى التى عرقلت عقد مؤتمر عن إحدى قضايا الحريات لأقمنا الدنيا ولم نقعدها، لكن ما العمل إذا جاءت هذه الخطوة الاستفزازية والاستبدادية من جانب زملاء مهنة يفترض فيها وفيهم وفى نقابتهم أنهم حصن الدفاع عن الحريات؟!هذا ليس سؤالا استفهامياً، وليس سؤالاً افتراضياً .. وإنما هو سؤال استنكارى لذلك الذى حدث فى نقابة الصحفيين يوم الجمعة الماضى حيث كان من المفترض أن ينعقد "المؤتمر الوطنى الأول لمناهضة التمييز الدينى"، وهو المؤتمر الذى قامت بتنظيمه حركة "مصريين ضد التمييز"، وهى حركة أهلية من جمعيات المجتمع المدنى يشارك فيهما عدد من الشخصيات المصرية المرموقة، المهمومة بسؤال الحرية وقضية المواطنة ومكافحة كافة أشكال التمييز بسبب الدين أو اللون أو الجنس.هؤلاء لم يحاولوا عقد مؤتمرهم فى نقابة الصحفيين بـ "الذراع"، بل دخلوا البيوت من أبوابها، وحصلوا على موافقة نقيب الصحفيين الأستاذ مكرم محمد احمد شخصياً، ودفعوا ثمانية آلاف جنيه قيمة إيجار إحدى قاعات مبنى النقابة.وأعلنوا – على الملأ وبكافة الوسائل المطبوعة والمسموعة والمرئية والالكترونية – برنامج مؤتمرهم وأسماء المشاركين فيه، وفى مقدمتهم نقيب الصحفيين شخصياً!ومع ذلك فإنهم فوجئوا لحظة افتتاح المؤتمر، يوم الجمعة الماضى، بمنعهم من دخول النقابة.من الذى اتخذ قرار "المنع"؟تقول جريدة "البديل" أنهم " 7 صحفيين بعضهم أمسك "شومة".. وعلى رأسهم جمال عبد الرحيم عضو مجلس النقابة ومعه صالح رجب وماجد على وآخرون كانوا قد امضوا الليل بالنقابة. وحضر نقيب الصحفيين مكرم محمد احمد ووقعت مشادة بينه وبينهم ومنعوه من دخول النقابة فى البداية. وتم عقد اجتماع طويل معهم حضره مصطفى بكرى رئيس تحرير جريدة "الأسبوع" والدكتور سامر سليمان عضو الحركة. وقال سامر سليمان أن الصحفيين السبعة أبلغوا النقيب رفضهم لعقد المؤتمر بسبب وجود البهائيين ضمن الحضور. وروجوا بعض الأكاذيب حول قيام قناة إسرائيلية بتغطية المؤتمر".أما رواية جريدة "الوفد" فخلاصتها أن الأحداث بدأت "بقيام جمال عبد الرحيم سكرتير عام مساعد النقابة ورئيس لجنة النشاط للتصدى بغلق القاعات التى كان مقرر لها أن تشهد المؤتمر وانضمت إليه أعداد كبيرة من أعضاء النقابة الرافضين لإقامة المؤتمر. وتصاعدت حدة المواجهة بين النقيب وعبد الرحيم.."وهى تقريبا نفس الرواية التى نشرتها "الدستور" التى أضافت أن هذا الشد والجذب تحول إلى "مشادات كلامية وأحداث وصلت لحد رفع الكراسى تهديداً باستخدام العنف البدنى".هذا العنف أكدت صحيفة "المصرى اليوم" التى قالت أن هذه "المشادة العنيفة" قد وصلت "لحد التراشق بالألفاظ النابية والتشابك بالأيدى بين مكرم محمد احمد وعدد من أعضاء النقابة.وأضافت القصة الخبرية التى نشرتها "المصرى اليوم" أن أعضاء النقابة الرافضين للمؤتمر قاموا بالاعتصام فى مقر النقابة – فى الليلة السابقة لهذه الأحداث – كما أغلقوا أبواب النقابة لمنع دخول أى شخص من غير الأعضاء والعاملين فى النقابة، وعلقوا لافتات ضد المؤتمر تؤكد رفضهم مخطط تقسيم مصر أو النيل من الإسلام.أما "نهضة مصر" فقد أشارت إلى "لقاء تم عقده بمكتب المرشد العام للإخوان المسلمين للتجهيز لمنع المؤتمر"، وأوردت تساؤل البعض: "أين لجنة الحريات بالنقابة وأين محمد عبد القدوس من كل هذه الأحداث؟"، خاصة أنه اختفى من المشهد تماماً رغم أنه من أكثر أعضاء مجلس ا لنقابة مواظبة على حضور أى فعاليات.***ومن مجمل هذه الروايات التى نشرتها صحف تنتمى إلى مدارس صحفية وفكرية مختلفة نجد أنفسنا أمام عملية "اختطاف" لنقابة الصحفيين قامت بها مجموعة محدودة العدد من الأفراد.هذه المجموعة التى تزعمها عضو بمجلس النقابة، هو الزميل جمال عبد الرحيم، من حقها أن تتبنى أى موقف تشاء إزاء هذا المؤتمر، أو غيره، ومن حقها أن تعبر عن هذا الرأى بكافة السبل المشروعة، داخل النقابة وخارجها، وداخل مؤتمر مناهضة التمييز الدينى وخارجه.لكن ليس من حقها أن تفرض رأيها بـ “القوة".. فهذا أمر خطير ومرفوض عموماً، فما بالك أن يحدث فى مكان يفترض فيه أنه حصن الدفاع عن الحريات وفى مقدمتها حرية العقيدة وحرية التعبير.والأسباب التى رددوها لتبرير فعلتهم شأنها شأن العذر الذى هو أقبح من الذنب.من هذه الأسباب أن حركة "مصريون ضد التمييز" – فى رأيهم كما نقلته جريدة "الأسبوع" – " إحدى الجمعيات غير الشرعية التى رفضت وزارة التضامن الاجتماعى إشهارها لتلقيها أموالاً من الخارج".وأن جمال عبد الرحيم وزملاءه "تأكدوا من اتفاق النقابة مع إحدى القنوات الإسرائيلية على تغطية أعمال المؤتمر".وأن المؤتمر يفتح أبوابه للبهائيين الذين هم – فى رأى المعترضين على عقد المؤتمر – مرتدون.وأن موضوع المؤتمر – بصفة عامة – يتضمن عداء للأديان وللإسلام على وجه الخصوص.والواضح أن السبب الأول غير جدى على الإطلاق، بدليل أن النقابة استضافت من قبل مؤتمرات لجماعة الأخوان المسلمين وغيرها من الجماعات والحركات "المحظورة"، وليس رفض وزارة التضامن الاجتماعى إشهار حركة "مصريون ضد التمييز" دليلاً على فساد رسالتها أو عدم مشروعيتها. أما مسألة "تلقى الأموال من الخارج" فلا اعرف مدى صحتها بالنسبة لهذه الحركة، وإن كانت هذه "التهمة" أصبحت تلصق بالكثير من منظمات المجتمع المدنى، إن لم يكن معظمها، ولست من المدافعين عن التمويل الأجنبى ومع ذلك فإنى لا اعتبره المعيار الوحيد للحكم على أى جمعية أو حركة.أما حكاية التليفزيون الإسرائيلى فقد قال النقيب أنه سيقوم بفتح تحقيق فيما ذكره البعض أن إداريين بمبنى النقابة سمحوا بدخول مصورين إسرائيليين لتغطية المؤتمر. وهدد الإداريين فى حالة التأكد من الحقيقة التزاماً برفض التطبيع مع إسرائيل، بينما قال سامر سليمان أن حكاية قيام قناة إسرائيلية بتغطية المؤتمر مجرد "أكذوبة" تم ترويجها عمداً.وكل هذا الجدل حول الجهة الداعية للمؤتمر يبدو خروجا عن "الموضوع" ومحاولة للتهرب من مناقشة "القضية" الأساسية ألا وهى مناهضة التمييز الدينى. فهل هناك تمييز دينى فى مصر أم لا؟ وإذا كان موجوداً فبأى درجة وعلى أى مستوى؟ ومن المسئول الأساسى عن وجوده؟هذا هو الموضوع الأصلى الذى يجب الحديث فيه.وقد شاء المعترضون على عقد المؤتمر أن يقولوا رأيهم فى الموضوع لكن بطريقتهم، أى بمنع الكلام فيه أصلاً، بحجة أن البهائيين مرتدون يجب عدم الاعتراف بهم أو الاستماع إليهم (وهذا فى حد ذاته ممارسة للتمييز بصورة سافرة!) وبحجة أن الحديث عن أى ممارسات تمييزية سينطوى – بالضرورة – على إساءة للإسلام ( وهذا افتئات على الحقيقة بل هذه هى الإساءة الحقيقية للإسلام الذى يلصق به هؤلاء – زوراً وبهتاناً - أشكالاً من التمييز تتنافى مع جوهره السمح والإنسانى).وقد عبر نقيب الصحفيين عن انزعاجه الشديد من هذا المنهج حيث نقلت "الأسبوع" عنه قوله "كنت أتمنى أن يعقد المؤتمر لفتح الباب أمام حوار يحترم الفكر والأديان".وأضاف " لقد أبلغت الزملاء الذين منعوا عقد المؤتمر بأننى سأتدخل بنفسى لإنهاء عقد المؤتمر فى حال التطاول على الأديان غير أننى فشلت فى إقناع الزملاء".وأبدى مكرم محمد أحمد حسرته على التعامل بهذه الطريقة مع الرأى المخالف و قال : أن نقابة الصحفيين هي نقابة رأى و كنت أتمنى أن يكون الرأي و الرأي الأخر ساحة للحوار على أرض النقابة".لكن "حسرة" النقيب لا تكفى ، فنحن إزاء حدث غير مسبوق فى تاريخ نقابتنا .نحن إزاء "اختطاف" فعلى بـ "القوة" و بـ "الدراع " و بـ "الإرهاب" الفكرى و "الجسدي" أيضا لا يجوز أن يحدث فى أى مكان ، فما بالك أن يحدث فى نقابة "رأى"؟!وهو يشبه اختطاف حركة "حماس"لقطاع غزة بقوة السلاح، ولا يجب استصغار شأن ما حدث، لأنه بمثابة سابقة يمكن أن تتكرر هنا و هناك و تتحول ساحة العمل العام إلى غابة تستبدل فيها لغة الحوار بلغة العضلات والكراسي الطائرة و البلطجة واستعراض القوة الغاشمة!وبصراحة شديدة لم يعجبني موقف النقيب مكرم محمد احمد مع إني أحبه وأكن له تقديراً عميقا على المستويين الإنساني والمهني. فلا افهم أن يحدث هذا الاختطاف للنقابة وما تضمنه من تطاول عليه هو شخصيا، ثم يحقق لـ "المختطفين" هدفهم، ألا وهو عدم عقد المؤتمر في النقابة. وأسبابه في هذا الإلغاء ليست مقنعة، بل أنها يمكن أن تقوى شوكة هذه الأساليب المنافية للتقاليد النقابية والروح الديمقراطية ،و إلا بماذا نفهم قوله "أنا مجرد صوت منفرد فى المجلس و على أن أقود حملة لكسب الرأى العام لمواجهة الصحفيين السبعة المعترضين على إقامة المؤتمر ولا يريدون سماع وجهة النظر الأخرى و لا يؤمنون بالحرية ".لا يا سيدي .. كان الواجب استدعاء مجلس النقابة لاجتماع طارئ فى لحظة هذه الأحداث غير العادية ووضع المجلس أمام مسئوليته . فإذا وافقت الأغلبية على قراره بعقد المؤتمر فى مقر النقابة أصبح لزاما على "جماعة السبعة" أن تذعن.و لا أريد أن أتحدث عن الاحتمال الآخر، ألا وهو أن تصوت أغلبية أعضاء مجلس نقابة الصحفيين لصالح إلغاء مؤتمر مكرس لمناهضة التمييز الديني، لان مجرد الحديث عن هذا الاحتمال إهانة لأنفسنا ولمهنتنا.و قد نقلت بعض الصحف عن النقيب قوله " فكرت فى اللجوء إلى النائب العام لإنهاء الأزمة و لكنى استبعدت فكرة الاستعانة بالأمن داخل النقابة"، وعنده كل الحق فى ذلك، لكن كان الأدعى أن يفكر فى اللجوء – أولاً - إلى الجمعية العمومية للصحفيين، فإذا ما قررت أغلبية الصحفيين أنها تنحاز إلى "التمييز الديني " برفضها الحديث عن أي "مناهضة للتمييز الدينى"، و إذا قررت انحيازها ألي أسلوب لي الدراع وإغلاق النقابة بالضبة والمفتاح حتى فى وجه نقيب الصحفيين ذاته والتطاول عليه ..فان هذه تكون نقابة لا أريد أنا شخصيا أن احتفظ بعضويتها.



