تعددت المقالات التى تناولت أحداث السادس من أبريل ما بين مؤيد ومعارض لتداعيات هذا اليوم وفى هذا المقام نعرض لمقاله صلاح عدلى مدير مركز آفاق اشتراكية ، وتعقيب عليها من الدكتور أحمد زكى
ملاحظات أولية على أحداث 6 أبريل
خطأ الرهان علي العفوية ..ودعوة لليسار لتجديد أساليبه
صلاح عدلى
مدير مركز «آفاق اشتراكية
مع إدراكنا أن أحداث 6 أبريل سوف تكون لها آثار ونتائج وتداعيات ملموسة علي حركات الاحتجاج وعلي العمل السياسي تحتاج إلي دراسة وتحليل عميق إلا أنه يمكن تسجيل بعض الملاحظات الأولية علي هذه الأحداث:
1- إن إضراب عمال المحلة المعلن عن قيامه في 6 أبريل قد حوصر من كل الجهات، حيث قام الامن بحصار الشركة وتحويلها هى ومدينة المحلة الى ثكنة عسكرية لإرهاب العمال واستخدام اصحاب السوابق والبلطجية وتوجيهها إلى أعمال تخريب مشبوهه كمبرر بعد ذلك لإجهاض الحركة العمالية والاحتجاجات المتصاعدة فى المجتمع من الفئات الاخرى، واستخدم اتحاد العمال كل اساليبة من ترهيب وترغيب لشق صفوف العمال واستماله بعض قيادتهم ،وبدلا من إعلان القوى والحركات السياسية التضامن معه ودعم مطالبه وتوفير الحماية القانونية له، تم الربط بينه وعن طريق الإعلام بشعارات أعلي، ولقد ساهم هذا الربط في إغراق الإضراب الأصلي للعمال وأهدافه ومطالبه في محيط من دعوات الإضراب العام والعصيان المدني دون أي مراعاة لنضوج المقدمات الموضوعية والذاتية وتم الخلط بين الدعوة إلي الاحتجاجات التضامنية والوقفات الاحتجاجية والمقاومة السلبية بالامتناع عن العمل وبين الدعوة إلي الإضراب العام الذي يعتبر أرقي أشكال العمل السياسي والجماهيري والذي يتطلب مستوي واعيا ومنظما من أصحاب المصلحة واقتناعهم بضرورته ومشاركتهم من خلال تجمعاتهم ولجانهم ومنظماتهم الحزبية والنقابية والمدنية، كما يتطلب أيضا وجود قيادة موحدة قادرة علي صياغة الأهداف واتخاذ القرارات في اللحظات الحاسمة.. وهذا كله لم يكن متوفرا في الدعوة الأخيرة .
باختصار نحن أمام منهجين في العمل السياسي والجماهيري.. منهج يكرس العفوبة ويقدسها ويتسم بنفاد الصبر والرؤية الملتبسة التي لا تفرق بين حالة السخط العارمة الناجمة عن الأزمة الاقتصادية وبين الحالة الثورية الناجمة عن أزمة سياسية شاملة، ومنهج آخر وأنا معه يري أهمية التحليل العلمي السياسي والطبقي و الدراسة الرصينة للظروف الموضوعية الذاتية وضرورة النضال الدءوب وعدم القفز علي حالة الجماهير والحركة الواقعية للأحداث. مع التأكيد علي مشروعية وأهمية إعمال الإضراب العام والعصيان المدني السلمي كحق للجماهير في نضالها المشروع من أجل التغيير.
لقد كان لهذه الدعوات أثر سلبي علي إضراب المحلة وعلي الحركة الاحتجاجية في المجتمع رغم كشفها عن حالة السخط العارم المتراكم لدى الجماهير وإبرازها الحالة القابلة للانفجار والكامنة تحت الرماد نتيجة انحياز النظام لكبار الراسمالين وتبنية لسياسات الليبرالية الجديدة وتحرير الاسعار والخصخصة ورفع يد الدولة عن تقديم الخدمات الاساسية للغالبية العظمى للشعب المصرى .
2- لقد أثبت عمال المحلة بعد سلسلة إضراباتهم المتواصلة والتي كانت نقطة انطلاق لموجة من الاحتجاجات الواسعة أن الطبقة العاملة المصرية كانت ومازالت في طليعة القوي المطالبة بالتغيير في المجتمع وأنها القادرة علي إعادة رسم الخريطة السياسية بشكل يساعد علي الفرز الطبقي والسياسي كما كانت هذه الحركة بمثابة جرس إنذار للعديد من قوي اليسار التي اكتفت في الفترة الماضية بالعمل علي قضايا الإصلاح السياسي الليبرالي أو التي تحالفت مع الإخوان المسلمين.
وهذه الموجه من الحركات الاحتجاجية للعمال ولغيرها من الفئات قد فضحت حقيقة مواقف الإخوان المسلمين والمعارضة اليمينية الليبرالية التى لا تختلف مع توجهات النظام الاقتصادية والاجتماعية .
3- كشفت أحداث 6 أبريل أيضا عن وجود أعداد كبيرة من الشباب المتمرد والساخط الذي انضم بالآلاف إلي الدعوة علي الإنترنت كما كشفت أهمية وسائل الاتصال الحديثة التي تتميز بالديمقراطية وعدم خضوعها للرقابة مما أتاح للشباب حرية المبادرة التي افتقدوها نتيجة قمع كل مؤسسات المجتمع لهم في الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل، وحتي داخل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.. إلا أنها من جانب آخر كشفت أن هؤلاء الشباب قليلو الخبرة بالعمل السياسي ولم يقدروا تداعيات ونتائج ما يدعون إليه، لأن هناك فارقا كبيرا بين التمرد الفردي والدعوة إلي الإضراب في الغرف المغلقة وبين النضال السياسي من خلال التفاعل الحي مع حركة الفئات الاجتماعية المختلفة.
ولكن المشكلة ليست في هذا الشباب الساخط والمتحمس ولكنها في الحقيقة مشكلة الإحزاب السياسيه وقوي اليسار التي لابد من أن تسعي إلي الاستفادة من هذه الوسائل الحديثة فى الاتصال والحوار معهم والتفاعل مع مبادراتهم و استيعاب أفضل ما فيهم ونقل الخبرة السياسية إليهم دون وصاية والاعتراف بحقهم في المبادرة والخطأ.
والمشكلة الأكبر هي في بعض السياسيين الذين ركبوا الموجة والكتاب والمفكرين الذين هللوا لهذه الدعوة ونفخوا في هؤلاء الشباب وبالغوا في دورهم، بل ووصل الأمر إلي حد اعتبارهم القيادة الجديدة البديلة عن الأحزاب والقوى السياسية!!.
ولعل من المفيد هنا أن نتعلم من تجارب التاريخ حين قامت انتفاضة الطلاب فى فرنسا عام 1968 التي هزت النظام واجبرت ديجول على الاستقالة وظهرت حركة اليسار الجديد وانتشرت نظريات تدعي أن الطبقة العاملة قد تم احتواؤها وفقدت ثوريتها وأن المبادرة انتقلت إلي الشباب والحركة الطلابية لقيادة الحركة الثورية العالمية ولم تمر فترة وجيزة حتي كشفت الأحداث مدي خطورة هذه الأفكار واستخدامها من قبل القوي اليمينية الرجعية وجهاز المخابرات الأمريكية لضرب الأحزاب الشيوعية والحركة العمالية.
4- إن أحداث 6 أبريل كشفت ما كنا نردده كل يوم من أن سياسات وممارسات النظام المسؤلة عن الازمة وعن تفجر الاحداث واختزال دور الدولة في الدور الأمني والقمعي فقط ، حيث الذي أصبح يهيمن علي كل شيء، سوف يضع البلاد كلها في أزمة خانقة مما يهدد بانفجارات عفوية من الجماهير المحبطة واليائسة ومن هنا لابد من الضغط من أجل فك الحصار من الأحزاب والنقابات والمنظمات الأهلية والإفراج الفوري عن المعتقلين، وفتح الطريق أمام إدارة الصراع بشكل سياسي وديمقراطي.
وأخيرا فإننا نعيش الآن علي أعتاب مرحلة نوعية جديدة من نضال الشعب المصري تستدعي اليسار بقوة لكي يضطلع بدوره ويتخلص من سلبياته ويجدد دماءه ويطور من أفكاره وأساليب نضاله ويرسم خطة تحالفاته علي أسس صحيحة ومبدئية علي أساس الالتحام بالعمال والفلاحين والكادحين وإقناعهم ببرامجه البديلة وبأن أوضاعهم لن تتغير بشكل حقيقي ما لم تتغير سياسات النظام جذريا، وما لم تتجمع نضالاتهم الفئوية لكي تصب في نهر التغيير الشامل.
* نشر هذا المقال فى جريدة الاهالى – الأربعاء 16 ابريل
تعقيب الدكتور أحمد زكى
ملاحظات اولية على ملاحظات الزميل العزيز
صك الرفيق لينين مصطلح العفوية مع بداية عقد التسعينات من القرن التاسع عشر عندما اندلعت موجة من الاحتتجاجات النقابية العارمة في مراكز الصناعة القليلة في روسيا الامبراطورية (كتاب ما العمل)
وما زال اليسار التقليدي يكرر هذا المصطلح مع كل حركة احتجاج من قطاعات وفئات المجتمع التي لم يركبها حزب يساري يرفع لواء الاشتراكية العلمية
وما زال اليسار التقليدي يرى عدم جدوى هذه الحركات مهما احرزت من نتائج وتتابعات
وللاسف يقترف اليسار التقليدي جريمة بهذا المفهوم الذي هجرته حركات الاحتجاج في العالم اجمع وما زال يشهره في وجه كل احتجاج جماهيري ونضال جماهيري حتى ان من ينظر من الخارج يرى هؤلاء اليساريين كما لو كانوا يرددون كلام اليمين في اسوأ صوره محافظة
ولذا لا يصبح مدهشا سماع كل من اليسار الرسمي واليمين الديني يدين احداث المحلة ويحذرون من مغبتها على بقاء السلطة التي اصبحت محل كراهية واسعة
وانا احذر الزميل العزيز من السقوط في هذه الهاوية المخجلة وانا اعرف انه لم يسقط فيها بقد
ولكن شكل الحركة التي يحلم بها الزميل ما عاد لها مكان في عالمنا الحديث
وفكرة الحزب العصبة الطليعية التي تقود جماهير العفوية الى تحقيق رسالتها الخالدة هي فكرة بادت لانه حتى لو تحقق المستحيل وتم تنفيذها في القرن الواحد وعشرين لن تنتج الا دولة على شاكله ما تم في القرن العشرين وهي لم تعد حلما لاحد في عالمنا الحالي
لذلك فما يحلم به الزميل من تنتظيم العفوية في القالب النظري الذي تعلمه من دروس اوائل القرن العشرين لن يتحقق ابدا ولسوف يتلقى بدل الدرس عشرين درس ليس من 6 ابريل وحدها بل من جميع ايام السنة في المستقبل القريب
اما تكنولوجيا الاتصالات التي اعترف الزميل بمزاياها فربما هي التي منعت اليسار من التعتيم على القادة الحقيقيين لاحتجاج المحلة بحجمه الواسع وباقي الاحتجاجات الصغيرة في عدة مدن اخرى
على عكس 18 و19 يناير الذي يؤرخ له اليساريون المخضرمون التقليديون اليوم بالقضية 100 امن دولة
بينما تناسوا ودفنوا ذكرى وابطال القضية 101 التي اطلق عليها لقب قضية الشغب
في حين ان قادة وجموع احتجاج 18 و19 يناير الحقيقيون هم الذين حوكموا في قضايا الشغب 101 وتلقوا اعنف الاحكام التي بلغ في بعضها السجن المؤبد
وعدد الشهداء بلغ فيما اتذكر حوالي 88 شهيدا
ولكن السلطة اطلقت عليها انتفاضة الحرامية والبست اليسار ومنظماته مسئولية الاحداث
مثلما حاولت الدولة في احداث المحلة تلبيسها لجورج اسحق ولكن الموضوع باخ من الاستاذ جورج نفسه الذي نفى بشجاعة ان يكون مسئولا او محرضا
وساعدت تكنولوجيا الاتصال على ابراز القادة الحقيقيين فيمن اعتقل من المحلة ومن مناضلي الفضاء الالكتروني الذين كانوا محل سخرية من اليسار التقليدي فيما مضى
سوف تفيد تكنولوجيا الاتصال في الا يسطو احد على صنع الابطال الحقيقيين وينسبها لنفسه من لا يستحق
احمد زكي



