الطب سلعة والفقراء يمتنعون: خبران وتعليق محمد حسن خليل

|

خلال الأسبوعين الماضيين مر خبران خطيران دون أن يأخذا حقهما من الاهتمام العام، يراد بهما المساهمة فى صياغة مستقبل العلاج فى مصر باعتباره سلعة لمن يدفع الثمن وليس حقا أصيلا من حقوق الإنسان فى مصر ومدخلا تنمويا لشعب منتج يستطيع حماية بلاده.

والخبر الأول هو إعلان الدكتور يوسف بطرس غالى وزير المالية عن اعتزام الحكومة بيع مستشفيات التكامل بالمزاد بسعر افتتاحى نصف مليون جنية. ومستشفيات التكامل لمن لا يعرف هم حوالى 500 مستشفى تم إنشاؤهم بمقتضى مشروع الإصلاح الصحى لكى يكونوا وسيطا بين الوحدات الريفية والمستشفيات المركزية والعامة فى القرى، والمستشفى فى المتوسط بها عدد يتراوح بين 8 و20 سريرا ومجهزة بغرفة عمليات ومعمل صغير وعدة عيادات تخصصية منها عيادة أسنان. ومعظم تلك المستشفيات لا تعمل حاليا، ومعداتها لا زالت فى صناديقها ولا يستفاد منها إلا كمكان لمبيت جنود الأمن المركزى أثناء فترات الانتخابات! وتكلف كل مستشفى بين عشرة وثلاثين مليون جنية، وسعر فتح المزاد (نصف مليون جنية، وهو ما يقل عن سعر الأرض المقام عليها المستشفى) لا يجب أن يقلق أحدا لأن وزير المالية طمأن أعضاء مجلس الشعب بأن عقد البيع سوف يتضمن نصا بعدم تغيير الغرض من المبنى! وعندما سئل الدكتور حمدى السيد رئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب وعضو لجنة السياسات بالحزب الوطنى الحاكم عن هذا الخبر أفاد بأن هذا يأتى نتيجة لتوصية لجنة الصحة بمجلس الشعب لأن الحكومة قد فشلت فى إدارة تلك المستشفيات!

وهكذا فعلاج عجز الحكومة عن تشغيل تلك الأصول الضخمة لا يحل بمحاسبة الحكومة عن التقصير فى التشغيل ولا بالبحث عن أسباب عدم التشغيل وحلها ولكن يحل بمكافأة القطاع الخاص بصفقات أخرى لبيع الأصول بالبخس مثل عمر أفندى. أما التعهد بعدم تغيير نوع النشاط فيكفى أن نعرف أن القانون الذى بيع بمقتضاه كل أصول القطاع العام يتضمن نصوصا بعدم بيع الأراضى (حق انتفاع فقط) ولكنهم باعوا من تلك الأراضى بأضعاف ما دفعوه ثمنا للمصانع والشركات!

وإذا كانت وزارة الصحة تعانى من خلل هيكلى مزمن متمثل فى نقص التمويل الجارى (المرتبات والحوافز ومستلزمات التشغيل) من ناحية وزيادة مبانى وتجهيزات من ناحية ثانية إذن فالحل هو استكمال هذا المشروع ببيع كل أصول ومستشفيات وزارة الصحة!

وليس فى هذا أى مبالغة أو ادعاء على وزارة الصحة أو مد الخطوط على استقامتها بأبعد مما ينبغى، فوزير الصحة صرح مرارا بأن وزارة الصحة تدرس تحويل مستشفياتها إلى شركات، وهذا يتضمن تشغيلها على أسس ربحية (بادعاء أن هذا هو الطريق الوحيدة لتحقيق الجودة) ولكن يتضمن أيضا حق بيعها كما كان قانون قطاع الأعمال العام الذى حول الهيئات العامة إلى شركات قابضة هو أساس بيع تلك الشركات وخصخصتها. ويدخل فى مشروع البيع والخصخصة هذا قرار رئيس الوزراء رقم 637 لسنة 2007 بإنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية التى تؤول إليها ملكية كل أصول التأمين الصحى (حوالى 40 مستشفى وأكثر من 500 صيدلية و600 عيادة شاملة ونحو ثلاثة آلاف عيادة منشأة وغيرها) لكى تدار على أسس ربحية مع جواز بيعها.

والخبر الثانى هو ما نشر بجريدة الأهرام بتاريخ 10 يونيو الحالى حول القرار بتخفيض ميزانية العلاج على نفقة الدولة بنسبة 50% فى العام القادم لضغط الإنفاق. وقد بلغ إنفاق العلاج على نفقة الدولة فى العام الماضى مليارى جنية. والعلاج على نفقة الدولة هو الملجأ الوحيد لحوالى 40% من الشعب المصرى غير المغطى بأى أنظمة تأمينية، حيث تبلغ نسبة تغطية التأمين الصحى حاليا 53% من الشعب، بينما هناك أنظمة تأمين خاصة فى بعض الشركات والهيئات كالجيش والشرطة وكذلك طلبة الجامعات وغيرها. أما القطاعات الفقيرة وغير المنظمة وغير الخاضعة لأى نظام تأمينى فتلجأ إذا ما ألمت بها كارثة مثل الفشل الكلوى أو الاحتياج إلى قسطرة ـأو جراحة قلبية أو غيرها- تلجأ للعلاج على نفقة الدولة. إذن فهذا العلاج على نفقة الدولة يلعب فى الحقيقة دور التأمين الصحى على الفقراء والممول من الضرائب العامة، رغم عيوب عدم تنظيمه وقيامه بالتأمين عليهم عند الطلب فى لحظات الاضطرار فقط. والحل الحكومى ليس تنظيم مثل هذا التأمين والسعى به نحو شمول التغطية ورفع كفاءتها ولكن الحل الحكومى هو حرمان المواطن من حق العلاج.

ولعل أشهر سبب تبرر به الحكومة سلوكها هذا هو أننا دولة فقيرة، ولكن ما يوضح فساد هذا الادعاء هو أن الحكومة تنفق على الصحة حوالى 3% من إجمالى الإنفاق الحكومى وهو من أدنى النسب فى العالم. بل إننا حقيقة نصاب بالدهشة عندما نكتشف أن الحكومة المصرية قد شاركت فى التوقيع على إعلان أبوجا الذى وقع عليه القادة الأفارقة بنيجيريا عام 2001، والذى يتضمن التزاما بأن تخصص الحكومات 15% على الأقل من الميزانية القومية للرعاية الصحية ثم تأتى حكومتنا، التى يبلغ متوسط إنفاقها على الصحة سنويا 3.2% من ميزانيتها فى الأعوام العشرة الأخيرة، تأتى بتخفيض جديد فى النفقات هذا العام بحجة أننا دولة فقيرة! ويأتى هذا فى الوقت الذى تخفض فيه الضرائب على المستثمرين ويمنحون مختلف الإعفاءات بينما تتضاءل ميزانية الخدمات من تعليم وصحة.

وهكذا تتضح الأبعاد الكاملة للقضية التى لا تقتصر على استبعاد الفقراء من حق العلاج ولكنها أيضا تحابى أصحاب رأس المال الساعين وراء صفقات شراء الأصول الحكومية بالبخس والتربح من المتاجرة فى المرض وترك السوق أمامهم.

دكتور محمد حسن خليل

عضو مؤسس بلجنة الدفاع عن الحق فى الصحة (ضد خصخصة التأمين الصحى)

12/6/2008

 


علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق
    وسومات الطب سلعة والفقراء يمتنعون: خبران وتعليق محمد حسن خليل