يفرض علينا توجه الدولة إلى القطاع الخاص للخروج من كبوة التعليم أن نتناول دور القطاع الخاص فى التعليم المصرى وكذلك الإطار التشريعي المنظم له، وياتى هذا فى الوقت الذى تنادى الدولة بتعظيم دوره ضمن أطار اوسع وهو خصخصة الخدمات فى مصر.
ومن أهم الاطر القانونية التى تنظم التعليم الخاص هو القرار الوزارى رقم 306 لسنة 1993 الصادر من وزير التعليم الأسبق "حسين كامل بهاء الدين" بشان التعليم الخاص ، ويذهب هذا القرار إلى الغاء ما يخالفه من أحكام سابقة عليه ، ويحدد هذا القرار ماهية المدارس الخاصة بإنها (كل منشأة غير حكومية تقوم اصلاً وبصفة فرعية بالتعليم أو الإعداد المهنى أو الفنى قبل مرحلة التعليم الجامعى ، ولايخضع لهذا التعريف دور الحضانة الخاضعة للشؤون الاجتماعية وكذلك المدارس التى تنشئها الهيئات الاجنبية والتى يقتصر التعليم فيها على غير المصريين وأيضاً المراكز أو المعاهد الثقافية التى تنشئها دولة اجنبية أو هيئة دولية استناداً لاتفاقية ثقافية مع جمهورية مصر العربية تنص على معاملة خاصة لهذه المراكز أو المعاهد ) لكن تأكيداً للفوضى التعليمية تأتى بعض القرارات الوزارية لتستثنى بعض المدارس التى توصف بانها ذات طبيعة خاصة.
ففى سياق مخالف لهذا القرار يصدر قرار وزارى رقم 114 لسنة 2001 يصرح بإنشاء المدرسة المصرية الدولية للغات ويصفها بأنها ذات طبيعة خاصة () ولانعرف شىء يسمى فى القانون تعليم ذو طبيعة خاصة وتخضع هذه المدرسة بشكل جزئى للغاية لاشراف وزارة التربية والتعليم . و قد يلاحظ كثرة وتنوع المدارس الخاصة لكنها تتفق فى هدف واحد وهو السعى للربح بالاساس بغض النظر عن مخرجات العملية التعليمية ومدى جودتها ، وأى تعليم يهدف إلى الربح الكبير كما فى مصر لايمكن أن يكون جودة التعليم ضمن اهتماماته ولايمكن أن تكون صناعة الإنسان ضمن طموحاته، واذا استعرضنا كافة القرارات الوزارية لن نجد أى تحديد لربحية المدارس الخاصة -هامش ربح - وليس هناك تحديد لما يجب أن تنفقه المدرسة على الطالب مما دفعه من مصروفات ، وهذا يفسر مدى إهتمام القطاع الخاص بالاستثمار فى التعليم وكذلك مدى القفزة التى حققها القطاع الخاص فى بناء المدارس فالدولة تركت كل شىء ومنحت تسهيلات كبيرة للقطاع الخاص وكأن خصخصة التعليم بهذا الشكل هو هدف بحد ذاته دون النظر إلى التعليم أو ما يمثلة من أهميةإستراتيجية لأية دولة.
ويوضح الجدول ( رقم 6) هذة القفزة فى دور القطاع الخاص فى الفترة ما بين عامى 1998/1999م و2003/2004 م والتى لم تكن فى أحسن الاحوال قادرة على أن تقوم بدورالبديل للتعليم الحكومى أو حتى دور المكمل لعجز الحكومة وهو الأمر الذى يعنى صعوبة إمكانية الاعتماد عليه بشكل كبير لقيادة التعليم فى مصر. جدول رقم (6) يوضح أعداد المدارس والفصول والتلاميذ بالتعليم الخاص فى الفترة من 1998إلى 2004مالمرحلة | 1998 - 1999 | 2003 - 2004 | ||||||
المدارس | الفصول | التلاميذ | المدارس | الفصول | التلاميذ | |||
ما قبل الابتدائي | خاص عربى | 860 | 3887 | 125850 | 939 | 4022 | 115348 | |
خاص لغات | 303 | 1592 | 50196 | 369 | 1947 | 56275 | ||
الجملة | 1163 | 5479 | 176046 | 1308 | 5696 | 171623 | ||
أبتدائى | خاص عربى | 911 | 11346 | 438908 | 1001 | 12593 | 452058 | |
خاص لغات | 309 | 3576 | 110102 | 366 | 4219 | 123011 | ||
الجملة | 1220 | 14922 | 549010 | 1367 | 16812 | 575069 | ||
الإعدادى | خاص عربى | 542 | 3365 | 116856 | 671 | 4237 | 133540 | |
خاص لغات | 250 | 1735 | 50879 | 320 | 2066 | 53805 | ||
الجملة | 792 | 5100 | 167735 | 991 | 6303 | 187345 | ||
الثانوى العام | خاص عربى | 175 | 1291 | 44902 | 211 | 1494 | 50630 | |
خاص لغات | 159 | 1159 | 34993 | 232 | 1479 | 41597 | ||
خدمات | 4 | 7 | 157 | 82 | 308 | 12017 | ||
الجملة | 338 | 2457 | 80052 | 525 | 3281 | 104244 | ||
ثانوى صناعى | خاص عربى | 8 | 96 | 3231 | 10 | 122 | 3961 | |
خاص لغات | .. | .. | .. | .. | .. | .. | ||
الجملة | 8 | 96 | 3231 | 10 | 122 | 3961 | ||
ثانوى تجارى | خاص عربى | 48 | 662 | 21309 | 47 | 790 | 26407 | |
خاص لغات | 1 | 3 | 17 | 1 | 2 | 19 | ||
خدمات | 156 | 1579 | 67028 | 192 | 2215 | 100198 | ||
الجملة | 205 | 2244 | 88354 | 240 | 3007 | 126624 | ||
تربية خاص | خاص عربى | 8 | 54 | 417 | 16 | 67 | 483 | |
خاص لغات | 3 | 17 | 172 | 3 | 24 | 161 | ||
الجملة | 11 | 71 | 589 | 19 | 91 | 644 | ||
جملة المراحل | 3737 | 30369 | 1065017 | 4460 | 35585 | 1169510 | ||
المصدر : وزارة التربية والتعليم –الكتاب السنوى الأحصائى لسنة 2004-2005م نقلاً عن مجلس الوزراء .
يبين الجدول زيادة عدد المدارس الخاصة إلى حوالى 22% فى عام 2003/2004 مقارنة بعام 89/1999 كذلك زيادة اعداد الفصول إلى حوالى 20% عن نفس الفترة ( راجع الجدول رقم 6) ويلاحظ أيضاً تراجع الإستثمار وتدنيه فى المدارس الصناعية الخاصة ، حيث تصل إلى ثمانية مدارس فقط وهذا يؤكد عدم رغبة القطاع الخاص فى التقليل من أرباحه ، لأن كلفة التعليم فى المدارس الخاصة الصناعية ستقلل من هذه الأرباح ، وهذه الكلفة متمثلة فى استخدام الآلات الضرورية لتدريب الطلاب وأيضا المواد الخام اللازمة لهذا التدريب ويضاف إلى هذا العنصر البشرى المدرب تدريباً جيداً وقبل كل هذا عدم إقبال الناس على تعليم مكلف وذو مردود ضئيل حيث أن خريجى تلك المدارس سيعملون عمال بشروط عمل مجحفة فى اغلب الأحيان ،وهذا كله يؤكد أن القطاع الخاص إذا تعامل مع التعليم بذهنية الربح فأن هذا سيؤدى إلى تعليم لايلبى طموحات آية مجتمع وهذا يبطل الحجة القائلة بضرورة مساهمة القطاع الخاص فى مجال التعليم لتطويره ، واذا قارنا نسبة مساهمة القطاع الخاص فى التعليم فى بعض الدول الاوربية على سبيل المثال سنجدها "10.8% فى انجلترا عام 2003/ 2004م ()" وفى الولايات المتحدة الأمريكية نجد – فيما يختص بإلإدارة –" بلغ إجمالى الشركات العاملة فى إدارة المدارس بالولايات المتحدة حوالى 51 شركة تقوم بإدارة 376 مدرسة عام 2002 /2003 م () ".
ويعود تراجع حصة مساهمة القطاع الخاص فى التعليم فى الدول المتقدمة ، لأنه قطاع لايهدف إلى الربح ولأن القوانين والتشريعات لا تسمح للتعامل مع التعليم وخصوصاً قبل الجامعى بعقلية الربح فقط ، يضاف إلى هذا أن الثقافة المحيطة بالتعليم تعظم من فكرة المنح والهبات والوقف والودائع الخيرية التى تخصص أرباحها وعوائدها للصرف على التعليم ، وهذا يمثل نسبة كبيرة من مساهمة القطاع الخاص فى التعليم . و تجارب الدول المتقدمة تثبت أن القطاع الخاص لا يقوم بالعملية التعليمية كلها بمفرده كما يحدث فى مصر - تسليم مفتاح- بل يقتصر دوره على الدعم اللوجستى كالنقل و التغذية وتوريد المعدات أو قد يقتصر فى اماكن أخرى على بناء المدارس وتأجيرها للحكومة أو تدريب المدرسين أو تقديم منح وقروض للطلاب غير القادرين وفى أحيان أخرى قد تسند الإدارة المدرسية إلى القطاع الخاص ، لكن فى كل هذا يظل هم تقديم خدمة تعليمية عالية الجودة هو المحرك والدافع ، وفى الوقت ذاته لم تؤد مساهمة القطاع الخاص إلى إنسحاب الدولة من العملية التعليمية وتقليل إنفاقها على التعليم كما حدث فى مصر حيث إنخفضت نسبة التعليم فى موازنة الدولة بواقع 2% لعام 2003 /2004 م.
ومن هنا إذا كنا سننظر إلى تجارب الآخرين للأستفادة فلا يجب أن ننزعها من سياقها الاجتماعى والاقتصادى والثقافى لنضعها فى بيئة مغايرة ،فهذا يؤدى إلى مزيد من تعميق الأزمة فسبق أن استوردنا فكرة المدرسة المنتجة من الصين لتطوير المدرسة ولخلق مورد من الممكن أن يساهم فى الصرف على المدرسة ، ولتطوير القدرات الإبداعية لدى الطالب دون توافر الأمكانيات البشرية أو المادية فكانت النتيجة تحول فكرة المدرسة المنتجة إلى قيام المدرسة بشراء مأكولات ومشروبات( عجائن ، عرق سوس ، حمص الشام ،فول وفلافل ....الخ) من خارج المدرسة ثم بيعها إلى الطلاب ،أى أن الفكرة تحولت إلى الإعالة المدرسية ، وهذا نموذج يثبت فشل النماذج المستوردة . شىء آخر تثبته فكرة النماذج المستوردة وهى الحكم على المجتمع بعدم قدرته على إبداع بديل لتطوير التعليم وجعله مستهلك للافكار والثقافة وهذا يتعارض مع الهدف من التنمية الاجتماعية والبشرية ، لأن التنمية البشرية التى لا تستند إلى أفكار ورؤى محلية هى تنمية مأزومة ، ومن هنا فالمجتمع مدعو بكافة ألوانه إلى إبداع بدائل لتطوير التعليم ترتكز إلى قيم وروح هذا الوطن .مما سبق يتضح أن قدرة الدولة على تحقيق أهداف التنمية الألفية أمر فى غاية الصعوبة ‘ونحن هنا نتعامل ونتحدث بعقلية الدولة التى تحول التعليم إلى أعداد وليس قيمة ومنتج يجب أن تعمل على الإرتقاء به، وحتى فى ظل هذه العقلية لم تستطع أن توفر تعليم للجميع كما أن الحديث عن القطاع الخاص ودوره فى ظل تعامله مع التعليم على أنه مشروع إستثماري مربح للغاية، وعنصر المخاطرة فيه يكاد يكون صفراً لم يحقق ما عجزت عنه الدولة لأن توجة القطاع الخاص هو للشريحة المجتمعية الوسطى والغنية ، وبالتالى سيلجأ الفقراء والفئات المحرومة والضعيفة وساكنى العشوائيات والمقابر والقرى إلى التعليم الرسمى الحكومى الذى لن تتركه الدولة للفقراء بدون مقابل فالقانون الجديد (قانون ضمان الجودة والاعتماد ) سيعمل على زيادة كلفة التعليم الرسمى والحكومى بشكل رسمى وتشريعى ،وهذه العقلية لا تدرك أو تتغافل عن أهمية التعليم وتأثيره على المجتمع بأسره فالتعليم بوضعه الحالى أحدّث شرخاً مجتمعياً كبيراً بين من يملك ومن لايملك، كما أن التعليم بأنظمته المختلفة والمتباينة سيخرج جيلاً لا منتمياً فالمدارس التى تدرس مناهج لاتنتمى لهذا الوطن من سيكون خرجيها وبأية ثقافة سيتأثرون وبأية تاريخ سيشعرون ولآية نكات سيضحكون أكثر ، مع العلم أن هؤلاء هم المرشحين لتولى مناصب هامة فى هذا الوطن وأيضاً المعول عليهم قيادته ، ويبدو أننا فى وطن لم يجد مايأكلة فأكل قيمّه .








علِّق