التحريرالاقتصادى... وتفاقم معدلات العنف فى الريف المصرى عبدالمولى إسماعيل

|
جاءت سياسات التحرير الاقتصادى الريف المصرى   وبخاصة تحرير العلاقة الايجارية فى الأراض الزراعية مصر مصحوبة بمزيد من العنف فى تطبيقاتها المختلفة ومنها بلا شك القطاع الزراعى .جرى طرد ما يزيد عن 234   ألف فلاح فى الريف المصرى بسبب تطبيق سياسة ما يسمى بإلاصلاح الاقتصادى فى مجال الزراعة ، فى الارض الزراعية بفعل القانون 96 لسنة 1992 ، والتى أدت إلى بروز ظاهرة فلاحون بلا أرض الذين  بلغ عددهم ما 821 ألف  فلاح ، يعولون ما يزيد عن أربعة ملايين نسمة ، ولم يقف الامر عند هذا الحد بل أمتد أيضاً إلى الجوانب الأخرى من العملية الزراعية ، مثل المحاصيل ، المياه ، المدخلات الزراعية .... الخ .ويكفى فقط أن نشير فى هذا المجال إلى الزيادات السعرية التى لحقت بالأسمدة  الزراعية بإعتبارها واحدة من بين تلك المدخلات التى ارتفعت أسعارها فى الفترة من سنة 1980 إلى 2006 إلى ما يصل إلى 1600% وذلك بالنسبة لمحصول القمح على سبيل المثال لا الحصر ، وهو ما يضيف المزيد من الأعباء على كاهل الفلاحين ، والمزيد من الوفورات المالية إلى الاحتكارات التجارية  الزراعية الخاصة .وقد جاءت تلك السياسات مصحوبة بالمزيد من العنف الذى لم يتوقف يوماً فى الريف المصرى منذ تطبيق قانون تحرير العلاقة الإيجارية فى الأراضى الزراعية وحتى الآن ، وهو ما تشير إليه معدلات العنف الموجودة لدينا فى هذا الصدد ، فعلى سبيل المثال كان عدد القتلى فى الفترة من 31/12/1996 حتى 1/9/1998قد بلغ 31قتيلاً ، فى حين نجده فى العام 2004 ، قد وصل إلى ثمانين  قتيلاً ، فى الوقت الذى بلغت فيه أعداد القتلى إلى خمسين  قتيلا و 155 مصابا  فى النصف الأول من عام 2007 فقط  وذلك وفقاً لما تم  توثيقه فى هذا الشأن .إذن هناك استمرار مضطرد لهذا العنف ، ولكن عند النظر إلى أحداث العنف التى تجرى فى ريف مصر سواء تلك التى صاحبت تنفيذ قانون تحرير العلاقة الايجارية أو التى نراها الآن سوف نجد أن هناك درجة من التباين عند قراءة تلك الاحداث .فحوادث العنف التى أرتبطت بقانون العلاقة الايجارية كانت فى جزء كبير منها موجه بالاساس إلى الاشكال المختلفة التى ترمز إلى  الدولة  من مؤسسات ، مرافق عامة ، ...الخ ، وذلك مثلما شهدته قرية صفط العرفا بمحافظة بنى سويف حيث جرى الاعتداء على الجمعية الزراعية ، وايضاً فلاحى مركز ناصر بذات المحافظة الذين قاموا بمحاولات قطع طريق السكك الحديدية الواصل بين القاهرة والصعيد ، .. الخ  .كما جاءت العديد من حوادث العنف آنذاك مصحوبة برؤى و آفاق سياسية تمثلت فى رفع الرايات السود على أسطح المنازل ، مؤتمرات سياسية ، احتجاجات فلاحية ، ... الخ . الأمر الذى دفع الدولة إلى التدخل الامنى القوى والعنيف فى ذات الوقت  ، وذلك بهدف تنفيذ قانون تحرير العلاقة الإيجارية عنوة وقسراً ، وذلك خوفاً من تصاعد وتيرة العنف بما يمكن أن يتسبب فى إندلاع إنتفاضة أو ثورة فلاحية ، وقد لجأت فى ذلك إلى عدم الإلتزام بأحكام القانون ، الذى كان يستلزم تنفيذ القانون المدنى الذى كان واجب التطبيق ،  حيث قامت الدولة باجهزتها المختلفة بطرد الفلاحين من الأرض فوراً دون انتظار لاحكام القضاء التى ترد فى هذا الشأن .وقد كانت سياسة العقاب الجماعى أحد تلك الوسائل التى لجأت إليها الدولة وما زالت حتى الآن فى إخماد أى حركة أو احتجاجات فلاحية ، وهو ما حدث مع فلاحى عزبة الزينى بمركز منية النصر ، وعزبة الأحمر بمركز دكرنس  بمحافظة الدقهلية ، عزبة الوقف بمركز الرحمانية بمحافظة البحيرة ، ... الخ .وإزاء تصاعد وتيرة العنف من أجهزة الدولة وبشكل خارج إطار القانون برزت ظاهرة أدعياء الملكية فى العديد من قرى مصر ، وخاصة الأراضى الزراعية التى كانت واقعة تحت حيازة الدولة مثل أراضى الإصلاح الزراعى ، الأوقاف الزراعية ، الأمر الذى ساعد فى استمرار وتيرة العنف فى ريف مصر حتى الآن.       على الجانب الآخر نجد أن الدولة قد نجحت بعد تطبيق القانون 96 لسنة 1992 فى توجيه دفة العنف فى الريف المصرى إلى صراع بين الفلاحين وبعضهم البعض - إلا فى حالات محدودة-   دون أن يكون موجه لها مباشرة ، فى محاولة لنزع الإطار السياسى عنه ، ومحاولة حصره فى نطاق النزعات الفردية حيث  تعود حوادث العنف فى الريف المصرى  إلى هشاشة الأوضاع الاجتماعية وتردى الأحوال المعيشية لمعظم من قاموا بارتكاب تلك الأحداث ، كما تشير الدلائل أيضاً إلى أن معظم من قاموا بارتكاب تلك الحوادث هم من فقراء و صغار الفلاحين ، وقد كانت أسباب هذا العنف تتراوح مابين خلاف على بعض المحاصيل وصلت الى حد الاقتتال على" كوز ذرة " مثلما حدث بقرية " كفر دميرة " التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية ، حيث انهال أحد الفلاحين بالفأس على رأس أحد الأشخاص ويبلغ من العمر50 سنة ويعمل خفير نظامى .. حتى أودى بحياته من أجل " كوز درة " . كما زادت حدة العنف داخل الاسرة أو العائلة الواحدة بسبب النزاعات التى كان الكثير منها دموى على ميراث ضئيل من الأرض الزراعية ،  أضافة الى الخلافات على حدود الاراضى الزراعية مثلما حدث بمركز أشمون بمحافظة المنوفية حيث قام أحد الفلاحين بقتل شقيقة بمنجل "شرشرة"  وذلك بسبب خلافات حول حدود الأرض الزراعية  ،.أيضاً تزايدت حدة العنف بسبب الخلافات على الأسبقية فى مياه الرى الأمر الذى يعطى دلالة قوية على هشاشة الاوضاع المعيشية التى يحياها الفلاحون فى الريف المصرى وإذا كانت الحكومة  قد ظنت منها أنها نجحت فى تطبيق القانون فى أكتوبر من العام 1997 بأقل الخسائر الاجتماعية الممكنة ، فإن ما يشهده الريف من ارتفاع وتيرة العنف وازدياد حدتها وعمق دمويتها يعد مؤشراً على أن هذا العنف آخذ فى التصاعد باضطراد إذا لم يتم التصدى له من خلال وضع سياسات اجتماعية تهدف إلى الارتقاء بالحدود الدنيا لفقراء الفلاحين وصغارهم فى الريف المصرى . والخوف كل الخوف هو أن يركبنا الغرور ونتجاهل تلك الأحداث ظناً منا أنها لا تعدو كونها أحداثاً فردية ليست ذات طابع جماعى ، ومن ثم نقلل من خطورة دلالتها الاجتماعية . وهو فى رأينا ظن خاطئ لا يتعامل مع الحوادث الاجتماعية بما تستحق من اهتمام وبما يمكن أن تحدثه أبعاد تلك الحوادث وتداعياتها المستقبلية .ولاشك أن الدعوة التى اتسمت بها تلك الأحداث تنم عن أن هناك بركاناً من الغضب يجتاح الكثير من الفقراء وصغار الفلاحين فى الريف المصرى .

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق
    وسومات التحريرالاقتصادى... وتفاقم معدلات العنف فى الريف المصرى عبدالمولى إسماعيل